مقدمة
يتضح لنا بجلاء أن إثبات الإعجاز العلمى للقرآن الكريم فى عصر التقدم العلمى والتقنى الذى نعيشه هو من مواقف التحدى للناس كافة – مسلمين وغير مسلمين – بأن كتابا أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبى أمى-صلى الله عليه وسلم- وفى أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين، وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الكتاب يحوى من حقائق الكون ما لم تتوصل إليه العلوم المكتسبة إلا فى العقود المتأخرة من القرن العشرين بعد مجاهدات طويلة قام بها عشرات الآلاف من العلماء عبر تاريخ البشرية الطويل وتركز فى القرنين الماضيين بصفة خاصة.
ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرا لهذا العلم الحق فى ذلك الزمن البعيد غير الله الخالق –سبحانه وتعالى- الذى أنزل القرآن الكريم بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله –صلى الله عليه وسلم- وحفظه بعهده الذى قطعه على ذاته العلية – ولم يقطعه لرسالة سابقة أبدا، فحفظه فى نفس لغة وحيه – اللغة العربية – ليبقى حجة على الناس كافة إلى يوم الدين.
والمتحدى لابد وأن يكون واقفا على أرضية صلبة، وعلى ذلك فلا يجوز توظيف شيء فى هذا المجال غير الحقائق القطعية الثابتة حتى يبلغ التحدى مداه فى مجال إثبات الإعجاز العلمى للقرآن الكريم.
وهذا الالتزام واجب حتمى فى التعرض للآيات الكونية فى كتاب الله باستثناء آيات الخلق بأبعاده الثلاثة: خلق الكون، خلق الحياة، وخلق الإنسان. وذلك لأن عملية الخلق عملية غيبية غيبة مطلقة لم يشهدها أحد من الإنس ولذلك فلا تخضع للإدراك المباشر من الإنسان.
وفى ذلك يقول الحق –سبحانه وتعالى- : " مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً " (الكهف:51).
ولكن القرآن الكريم الذى جاء بهذه الآية الكريمة يأمرنا ربنا –سبحانه وتعالى- فيه بضرورة التأمل فى قضية الخلق – وهى قضية غير مشاهدة من قبل الإنسان – وذلك فى عدد غير قليل من الآيات التى منها قوله – سبحانه وتعالى- : " أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (العنكبوت:19ـ20).
وقوله سبحانه وتعالى: " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " (آل عمران:190ـ191).
والجمع بين هذه الآيات الكريمة – وأمثالها كثير فى كتاب الله – يؤكد على أن خلق كل من السماوات والأرض وخلق الحياة وخلق الإنسان قد تم فى غيبة كاملة من الوعى الإنسانى، ولكن الله من رحمته بنا قد أبقى لنا فى صخور الأرض وفى صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يمكن أن يعين الإنسان – بإمكانياته المحدودة – على الوصول إلى تصور ما لعملية الخلق، إلا أن هذا التصور يبقى فى مجال الفروض والنظريات، ولا يمكن أن يرقى إلى مقام الحقيقة أبدا؛ لأن الحقيقة العلمية لابد أن تكون واقعة تحت حس الإنسان وإدراكه – على الرغم من محدودية ذلك الحس وهذا الإدراك – ومن هنا فإن العلوم المكتسبة لا يمكن أن تتجاوز فى قضية الخلق – بأبعادها الثلاثة – مرحلة التنظير أبدا، و تتعدد النظريات فى قضايا الخلق بتعدد خلفيات واضعيها: هل هم من المؤمنين أو من الكفار أو المشركين أو المتشككين؟ وهل هم من السعداء فى حياتهم أم من التعساء والأشقياء والمهمومين؟ وهل هم من الأسوياء أم من المنحرفين؟
وفى هذا الخضم العميق يبقى للمسلم نور من الله سبحانه وتعالى فى آية قرآنية كريمة، أو حديث نبوى صحيح مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعينه على الانتصار لإحدى هذه النظريات، والارتقاء بها إلى مقام الحقيقة؛ لا لأن العلوم المكتسبة قد أثبتت ذلك، ولكن لمجرد وجود إشارة إلى تلك الحقيقة فى كتاب الله الخالق أو فى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ونحن فى هذه الحالة نكون قد انتصرنا للعلم بالقرآن الكريم أو بسنة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، ولم ننتصر بالعلم لأي منهما.
عن كتاب
تأصيل التعامل مع قضية الإعجاز العلمي للقرآن الكريم
للأستاذ الدكتور زغلول راغب محمد النجار
رئيس لجنة الإعجاز العلمي للقرآن الكريم
والسنة النبوية المطهرة بالمجيس الأعلى للشؤون الإسلامية